إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
278
الإعتصام
ولقد حكى الفرغاني مذيل تاريخ الطبري عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى ادعوا فيه الإلهية تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ولأن الولاية وإن ظهر لها في الظاهر آثار فقد يخفى أمرها لأنها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله فربما ادعيت الولاية لمن ليس بولي أو ادعاها هو لنفسه أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة لا من باب الكرامة أو من باب أو الخواص أو غير ذلك والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر فيعظمون من ليس بعظيم ويقتدون بمن لا قدوة فيه - وهو الضلال البعيد - إلى غير ذلك من المفاسد فتركوا العمل بما تقدم - وإن كان له أصل - لما يلزم عليه من الفساد في الدين وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني راجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها النبي صلى الله عليه فإن لأمته أنموذجا منها ما لم يدل دليل على الاختصاص إلا أن الوجه الأول أيضا راجع من جهة أخرى وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال إما وقوفا مع أصل المشروعية وإما بناء على اعتقاد انتقاء العلة الموجبة للامتناع وقد خرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثني رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لم تفعلون هذا قالوا نلتمس الطهور والبركة بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره فإن صح هذا النقل فهو مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى من وظائف التكليف ولا يلزم الإنسان في خاصة نفسه ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها أو دعاء الرجل لغيره على وجه سيأتي بحول الله فقد صارت المسئلة من أصلها دائرة بين أمرين أن تكون مشروعة فدخلت تحت حكم المتشابه والله أعلم .